محمد بن علي الشوكاني
403
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
وليس على اللّه بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد وله في حسن التعليم صناعة لا يقدر عليه غيره فإنه يجذب إلى محبته وإلى العمل بالأدلة من طبعه أكثف من الصخر ، وإذا جالسه منحرف الأخلاق أو من له [ 171 ] في المسائل الدينية بعض شقاق جاء من سحر بيانه بما يؤلّف بين الماء والنار ويجمع بين الضبّ والنّون فلا يفارقه إلا وهو عنه راض ، ولقد كنت أرى منه من هذا الجنس ما يزداد منه تعجّبي ؛ ولذا تم خبره بأحوال الناس وبما يليق بكل واحد منهم وما يناسبه وما لا يناسبه ، وله في علم الطبّ مشاركة قوية [ وله ] « 1 » في كل الصناعات العملية كائنة ما كانت أتمّ اختبار ، وكان الناس يقصدونه على اختلاف طبقاتهم ، فأهل العلم يقصدونه ليستفيدوا من علمه والأدباء ليأخذوا من أدبه ويعرضوا عليه أشعارهم ، والمحاويج يأتونه ليشفع لهم عند أرباب الدنيا ويواسيهم بما يمكنه ، وكرمه كلمة إجماع ، والمرضى يلوذون به لمداواتهم ، وغرباء الديار من أهل العلم ينزلهم في منزله ويفضل عليهم بجميع ما يحتاجونه ويسعى في قضاء أغراضهم ونيل مطالبهم ، وهو مقبول الشفاعة وافر الحرمة عظيم الجاه ، وبالجملة فلم تر عيني مثله في كمالاته ولم آخذ عن أحد يساويه في مجموع علومه ، ولم يكن بالديار اليمنية في آخر مدّته له نظير . وكان لما جبل عليه من حسن الأخلاق لا يبدي من علومه عند المناظرة ما ينقطع به من يناظره لا سيما إذا كان من يناظره من المقصّرين كلّ ذلك محبة منه لجبر الخواطر وائتلاف القلوب ، وربما يتأثر عن ذلك لبعض من لم يحط به خبرا أنه ليس كما يقول الناس في التفرّد بالعلم ، وقد سمعت هذا من كثير من الذين لم يبلغوا في العلم مبالغ الكمال ولو عرفوه كما عرفه أهل الكمال الممارسون له لعلموا بأن الحامل له على التسامح في مناظرتهم ما جبل عليه من سجاحة [ 54 ب ] الخلق ، وكان رحمه اللّه لا يتعرّض لتنقيص أحد كائنا من كان بل يذكر من كل أحد ما اشتمل عليه من المحاسن ويفضي عن مساويه وهو أعرف بها من غيره ، ويبالغ في وصف من له اشتغال
--> ( 1 ) في [ ب ] ولديه .